ابن رشد

263

تهافت التهافت

يكون : من ذاته ، أو من غيره ، فإن كان من ذاته فقد صدر عن القديم حادث ، ومن أصولهم أنه لا يصدر عن القديم حادث ، فهو يعاندهم في قولهم : إنه لا يصدر عن القديم حادث بوضعهم الفلك قديما ووضعهم أن الحوادث تصدر عنه . وانفصالهم عن هذا هو أن الحادث ليس يمكن أن يصدر عندهم عن قديم مطلق ، وإنما يمكن أن يصدر عن قديم بجوهره ومحدث في حركاته وهو الجرم السماوي . ولذلك صار عندهم كالمتوسط بالحقيقة بين القديم المطلق والمحدث المطلق ، وذلك أنه من جهة هو قديم ، ومن جهة هو حادث ، وهذا المتوسط هي الحركة الدورية السماوية عندهم ، فإنها عندهم قديمة بالنوع حادثة بالأجزاء ، فمن جهة ما هي قديمة صدرت عن قديم ، ومن جهة أجزائها الحادثة تصدر عنها حوادث لا نهاية لها . وإنما منع الفلاسفة وجود الحوادث في الأول لأنه ليس بجسم والحوادث لا توجد إلا في جسم ، لأن القبول لا يوجد عندهم إلا في جسم والمتبري عن المادة لا يقبل . وحاصل معاندته القسم الثاني من قياسهم وهو : إن العلة الأولى لا تكون معلولة ، أنه يجوز أن يكون علمه شبيها بعلم الإنسان ؛ أعني أن تكون المعلومات هي سبب علمه وحدوثها هو سبب حدوث علمه بها ، مثل ما أن المبصرات هي علة إدراك البصر ، والمعقولات علة إدراك العقل ، حتى يكون على هذا فعله الموجودات وخلقه لها هو علة إدراكها لا علة خلقها علمه . وهذا مستحيل عند الفلاسفة أن يكون علمه على قياس علمنا ، لأن علمنا معلول للموجودات وعلمه علة لها . ولا يصح أن يكون العلم القديم على صورة العلم الحادث ، ومن اعتقد هذا فقد جعل الإله إنسانا أزليا والإنسان إلها كائنا فاسدا . وبالجملة فقد تقدم أن الأمر في علم الأول مقابل الأمر في علم الإنسان ؛ أعني أن علمه هو الفاعل للموجودات لا الموجودات فاعلة لعلمه .